السيد محمد تقي المدرسي

201

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

كفران لسعيه ) « 1 » . ويقول : ( واني لغفار لمن تاب ) « 2 » فقال عليه السلام - : واما قوله : ( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه ) وقوله : ( واني لغفار لمن تاب آمن وعمل صالحا ثم اهتدى ) فإن ذلك كله لا يغني الا مع الاهتداء وليس كل من وقع عليه اسم الايمان كان حقيقا بالنجاة مما هلك به الغواة ، ولو كان كذلك لنجت اليهود مع اعترافها بالتوحيد واقرارها بالله ، ونجا سائر المقرين بالوحدانية من إبليس فمن دونه في الكفر ، وقد بين الله ذلك بقوله : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون ) « 3 » وبقوله : ( الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) « 4 » . وللايمان حالات ومنازل يطول شرحها ، ومن ذلك ان الايمان قد يكون على وجهين : ايمان بالقلب وايمان باللسان كما كان ايمان المنافقين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله - لما قهرهم السيف ، وشملهم الخوف ، فإنهم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم ، فالإيمان بالقلب هو التسليم للرب ، ومن سلم الأمور لمالكها لم يستكبر عن امره كما استكبر إبليس عن السجود لآدم واستكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم فلم ينفعهم ، التوحيد ، كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل فإنه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام ، لم يرد بها غير زخرف الدنيا والتمكين من النظرة ، فلذلك لا تنفع الصلاة الصادقة الا مع الاهتداء إلى سبيل النجاة وطريق الحق ، وقد قطع الله عذر عباده بتبيين آياته ، وارسال رسله ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، ولم يخل ارضه من عالم بما يحتاج الخليقة اليه ، ومتعلم على سبيل نجاة ، أولئك هم الأقلون عددا . وقد بين الله ذلك في أمم الأنبياء ، وجعلهم مثلا لمن تأخر مثل قوله في قوم نوح : ( وما آمن معه الا قليل ) « 5 » وقوله فيمن آمن من قوم موسى : ( ومن قوم موسى أمة يهدون

--> ( 1 ) - الأنبياء / 94 . ( 2 ) - طه / 82 . ( 3 ) - الانعام / 82 . ( 4 ) - المائدة / 41 . ( 5 ) - هود / 40 .